حذّر الكاتب عمرو عدلي من أن عودة التوتر إلى مضيق هرمز، وما قد تسببه من قفزات حادة في أسعار الطاقة والغذاء، تضع مصر أمام واقع عالمي جديد يفرض عليها التحرك سريعًا وتبني سياسات بديلة تحمي الاقتصاد وأمنها الغذائي والطاقة.

 

ونشرت المنصة مقال عدلي، الذي يرى أن تجدد الأزمة في مضيق هرمز قد يؤدي إلى صدمات اقتصادية خطيرة، خصوصًا أن مصر تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الغذاء، وفي مقدمه القمح، كما تواجه خطر تراجع قيمة الجنيه مع خروج الاستثمارات قصيرة الأجل، ما يرفع تكلفة السلع التي لا تنتجها محليًا.

 

150 دولارًا للبرميل.. سيناريو كارثي يهدد الاقتصاد المصري

 

عاد التوتر إلى مضيق هرمز، مع استئناف إيران استهداف ناقلات النفط التي تنحرف عن المسارات التي حددتها، بينما عادت الولايات المتحدة إلى تنفيذ ضربات جوية ضد أهداف عسكرية داخل إيران.

 

وانهارت المسارات الدبلوماسية التي أطلقها مذكرة تفاهم أوقفت العمليات العسكرية لنحو شهر، بعدما أعلنت إيران في 12 يوليو إغلاق مضيق هرمز. وردّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإعادة فرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، قبل أن يتراجع عن مقترح فرض رسوم بنسبة 20% على قيمة النفط العابر للمضيق.

 

وسارعت أسواق النفط إلى الاستجابة للتطورات، إذ قفز سعر خام برنت بنحو 13% خلال أيام، بالتزامن مع تباطؤ حركة الشحن عبر المضيق إلى حد كبير.

 

وخلال المواجهة السابقة، ارتفع سعر خام غرب تكساس من 63 دولارًا للبرميل في أواخر فبراير إلى 112 دولارًا في 7 أبريل، لكنه لم يصل إلى مستويات كارثية، بعدما لجأت الولايات المتحدة والصين إلى احتياطياتهما الاستراتيجية لتلبية الطلب المحلي والمساهمة في استقرار الأسواق العالمية.

 

لكن الوضع قد يكون أكثر خطورة هذه المرة، إذ قد يؤدي استمرار الصراع وإغلاق المضيق إلى استنزاف الاحتياطيات المتاحة. ونقل المقال عن رئيس مجلس إدارة شركة إكسون موبيل قوله لـ«رويترز» إن استمرار الأزمة قد يرفع أسعار النفط إلى 150 أو 160 دولارًا للبرميل.

 

وقد يصبح السيناريو أكثر سوءًا إذا استهدفت الولايات المتحدة البنية التحتية النفطية الإيرانية، وردّت طهران بضرب المصافي والآبار في دول الخليج، ما قد يؤدي إلى تعطيل قدرات الإنتاج لدى جانبي الخليج لسنوات، ويفتح الباب أمام كارثة طاقة طويلة الأمد.

 

أزمة الطاقة تهدد الغذاء والقمح في مصر

 

يرى عدلي أن الفترة القصيرة التي أعادت فيها إيران فتح مضيق هرمز لم تكن كافية لإعادة بناء مخزونات النفط العالمية، كما لم تسمح بإعادة تكوين مخزونات المواد الخام اللازمة لإنتاج سماد اليوريا، ما أبقى العالم أمام نقص مستمر في الأسمدة.

 

وفي ظل عودة الاضطرابات، تلوح مخاطر نقص الغذاء خلال الشتاء المقبل، خاصة إذا تراجعت إنتاجية المحاصيل الشتوية بصورة حادة.

 

وقد تدفع خسائر الإنتاج دولًا ذات كثافة سكانية مرتفعة، مثل الهند، إلى زيادة وارداتها من الغذاء لتعويض النقص المحلي، ما قد يؤدي إلى ارتفاع جديد في أسعار الغذاء عالميًا.

 

ويضع ذلك مصر في موقف شديد الحساسية، باعتبارها دولة مستوردة صافية للطاقة والغذاء، إذ تواجه مخاطر مزدوجة؛ أولها اعتمادها الكبير على استيراد الغذاء، خصوصًا القمح، وثانيها احتمال تراجع قيمة الجنيه مع هروب رؤوس الأموال الساخنة، ما يرفع تكلفة السلع التي تعتمد البلاد على استيرادها.

 

وتشير أزمات سابقة، أبرزها الحرب الروسية الأوكرانية والمواجهة الأخيرة مع إيران، إلى أن هذه الصدمات قد تدفع الاقتصاد نحو الركود التضخمي، حيث يتزامن تباطؤ النمو مع ارتفاع معدلات التضخم، بما يعيد مصر إلى أجواء الأزمة الاقتصادية التي كادت تبتلعها عام 2022.

 

ويشير المقال إلى أن مصر خرجت من تلك الأزمة بفضل تدفقات استثنائية، أبرزها صفقة تطوير رأس الحكمة، إلا أن الاعتماد على مكاسب استثنائية مماثلة لا يمكن أن يشكل استراتيجية دائمة لمواجهة الصدمات العالمية.

 

مصر مطالبة بإعادة رسم سياسات الغذاء والطاقة

 

يرى عدلي أن الصراع المتجدد يمثل دخولًا إلى عالم جديد بصورة جذرية، وأن عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الأزمة تبدو غير مرجحة، ما يستدعي اتخاذ خطوات عملية للتكيف مع الواقع الجديد.

 

وفي قطاع الغذاء، يدعو الكاتب إلى إعادة هيكلة الخريطة الزراعية خلال السنوات المقبلة، عبر تقليص المساحات المخصصة لزراعة الفواكه والخضروات المعدة للتصدير إلى أوروبا، وتوجيه جزء أكبر من الأراضي إلى المحاصيل الأساسية، وعلى رأسها القمح والأرز.

 

ويرى أن الحكومة بدأت بالفعل خطوات أولية في هذا الاتجاه، لكنها تحتاج إلى تسريعها وضمان استمرارها لسنوات، بهدف تقليل تعرض مصر لتقلبات الأسواق العالمية وأزمات سلاسل الإمداد.

 

أما في قطاع الطاقة، فيدعو المقال إلى تطبيق إجراءات احترازية فورية تقوم على ترشيد الاستهلاك بصورة جادة ومنظمة، بدلًا من السياسات المتذبذبة التي اتبعتها البلاد خلال الحرب السابقة.

 

ويؤكد عدلي أهمية مواصلة زيادة إنتاج الغاز المحلي، وهي خطوة بدأت الحكومة تنفيذها عبر سداد المتأخرات المستحقة لشركات التنقيب الأجنبية، لكنه يرى أن ذلك لا يكفي وحده، داعيًا إلى إعادة صياغة استراتيجية الطاقة المصرية وزيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة لتقليل الحاجة إلى استيراد النفط والغاز.

 

كما يدعو إلى إعادة النظر في الاعتماد على الصناعات كثيفة استهلاك الطاقة، مثل الأسمدة والأسمنت، باعتبارها محركات رئيسية لزيادة عائدات التصدير، مشيرًا إلى أن التوسع في هذه القطاعات يتعارض مع التقلبات المزمنة في أسواق الطاقة العالمية، فضلًا عن عدم توافقه مع واقع مصر باعتبارها مستوردًا صافيًا للطاقة.

 

ويخلص الكاتب إلى أن أساسيات الاقتصاد العالمي تتغير بسرعة، وربما لفترة طويلة، بما يهدد ركائز النمو الاقتصادي وضرورات الحياة الأساسية، وفي مقدمتها الغذاء. ويرى أن على مصر أن تتعامل مع هذه المتغيرات الآن، قبل أن تستيقظ، على حد تعبيره، لتجد نفسها أمام عالم مختلف لم تعد فيه القواعد القديمة صالحة.

 

almanassa.com/en/stories/32980